سهيلة عبد الباعث الترجمان
486
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
وضع موضوع وضعه الحق في عباده فمنه مسموع وغير مسموع ، ولهذا من الأنبياء متبوع وغير متبوع " « 1 » . وفي لطيفة أخرى يشير إلى ذلك فيقول : " ثمّ موطن يجمع فيه بين الشريعة التي هي علم الأحكام بالدنيا ، وبين الحقيقة التي هي علم الآخرة وأحكام الحق بها فيكون علم الأحكام مسؤولا " « 2 » . ويقول شعرا : لا تنفرد بالعقل دون شريعة * روض النّهى عند الشريعة ما حل واعكف على علم الحقيقة إنه * كل إلى علم الحقيقة آيل لا يقبل الإلقاء إلّا عاقل * فإذا تخلّى عنه ما هو عاقل « 3 » والشريعة والحقيقة مترابطان بحيث أنهما يمثلان عينا واحدة لها دائرتان عليا وسفلى ، فالعليا لأهل الكشف ، والسفلى لأهل الفكر ، ولما فتّش أهل الفكر عما قاله أهل الكشف فلم يجدوه في دائرة فكرهم قالوا هذا خارج عن الشريعة ، فأهل الفكر ينكرون على أهل الكشف ، وأهل الكشف لا ينكرون على أهل الفكر . فمن كان ذا كشف وفكر فهو حكيم « 4 » . وهذه دلالة على استيعاب الحقيقة للشريعة وضيق أهل الرسوم من استيعاب الحقيقة وأصحاب المواجيد والأذواق ، خاصة إذا علمنا أن اللّه تعالى خاطب الإنسان بجملته وما خصّ ظاهره من باطنه ، ولا باطنه من ظاهره ، ورغم هذا فقد توفرت دواعي الناس في غالبيتهم إلى معرفة أحكام الشرع في ظواهرهم وغفلوا عن الأحكام المشروعة في بواطنهم إلّا القليل وهم أهل طريق اللّه ، فإنهم بحثوا في ذلك ظاهرا وباطنا فما من حكم قرروه شرعا في ظواهرهم إلّا رأوا أن ذلك الحكم له نسبة إلى بواطنهم ، أخذوا على ذلك جميع أحكام الشرائع فعبدوا اللّه بما شرّع لهم ظاهرا وباطنا ففازوا حين خسر الأكثرون " « 5 » . وقد أشار إلى ما قاله الإمام الغزالي في الرد على فرقة ثالثة ضلّت وأضلّت ، وأخذت الأحكام الشرعية وصرفتها في بواطنهم وما تركت من حكم الشريعة
--> ( 1 ) ابن عربي ، كتاب التراجم ( الرسائل ) ، ص 28 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 28 . ( 3 ) ديوان ابن عربي ، ص 245 . ( 4 ) الشعراني ( عبد الوهاب ) ، مصدر سابق ، ص 26 . ( 5 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 334 .